هلال بن محسن الصابي
373
الوزراء
بذلك ، فقال لي : ما تدرى كيف جرى أمر مساحته ؟ قلت : لا . قال : فأخرج حتى تواقف وتجتهد . قال : فخرجت ومعي مسّاح البلد الذين مسحنا بهم ، وواقفنا واستقصينا ، وما زلت ألطف حتى استقرّت مساحة القراح على أحد وعشرين جريبا وقفيز « 1 » وكنّا مسحناه اثنين وعشرين جريبا . واحتججت بأن المساحة وقعت أوّلا والغلّة قائمة فيه ، ومسح الآن بعد حصادها ، وليس بمنكر أن يكون بين المساحة على الحالتين هذا القدر . وانصرف القوم وطالعوا علىّ بن عيسى بالصورة ، فوردت علينا كتبه بالصّواعق في الإنكار والتّوعّد وقال : واللّه لئن عادت ظلامة أو تحيّف أحد من الرعية في معاملة أو مساحة لأقابلنّ على ذلك أشدّ مقابلة . فتحرّزنا وتحفّظنا وحرسنا الناس ونفوسنا ، وزاد الارتفاع في السنة الآتية ثلاثة في كلّ عشرة لأنّ العدل شاع ، والحيف زال ، فتوفّرت العمارة . وحدّث أبو محمد ثابت بن أحمد بن المشرف كاتب بادوريا قال : كان أهل بادوريا معروفين بالجلد ، وكانت لهم مظالم وقوف . ومظالم رسوم ، ومظالم تدعى مظالم القرطاس . فتقلّد عليهم ابن أبي السلاسل « 2 » العامل وفي قلبه أحقاد ، فأراد الاستقصاء عليهم والتّشفّى منهم . وأخرج ما عليهم من البقايا ، وأضاف إليها ما ردّه من هذه المظالم ، وحبسهم وطالبهم فامتنعوا عليه ، وصبروا على الحبس ، فقيّدهم واحتملوا القيد ، ولم يجسر على أن يوقع بهم مكروها خوفا من علىّ بن عيسى . فأملى في بعض الأيام على كاتبه بحضرتهم رقعة إلى علي بن عيسى يغريه فيها بهم كلّ إغراء ويقول : هؤلاء قوم يدلّون بالجلد ، وعليهم أموال قد أنطّوا « 3 » بها وصبروا
--> ( 1 ) القفيز : 144 ذراعا وهو ربع جريب . ( 2 ) في تجارب الأمم 5 / 157 ابن السلاسل وبهامشه نقلا عن تاريخ ميافارقين ، إن وإلى ميافارقين من قبل المقتدر هو ابن أبي السلاسل . ( 3 ) ألطو بها : منعوها .